مخيم _ قيس عليان
تحولت أكوام الركام المنتشرة في قطاع غزة من مجرد شاهد على الدمار الذي خلفته الحرب إلى مصدر جديد للرزق وموارد تعاد إدخالها في دورة اقتصادية استثنائية، بفعل الحاجة ونقص السلع وإغلاق المعابر.
وبين الأنقاض، يبحث غزيون عن الحديد والأسلاك والأخشاب والأجهزة الإلكترونية وغيرها من المواد التي يمكن إنقاذها وبيعها أو إصلاحها وإعادة استخدامها.
ومع منع دخول السلع والمواد الخام إلى الأسواق، بسبب إغلاق المعابر والقيود المفروضة على إدخال العديد من الاحتياجات برزت الحاجة إلى البحث عن بدائل محلية. وهنا بدأ الركام يلعب دورا غير مسبوق إذ تستخرج منه مواد كانت في السابق جزءا من المباني والمحال والمنازل، ثم تنقل إلى الأسواق لتباع كسلع أو مواد خام، في ظاهرة باتت تعرف بين العاملين فيها بـ"اقتصاد الركام".
من الركام للأسواق
وتجدر الإشارة إلى أن الأمر لا يقتصر على جمع المخلفات وإعادة استخدامها بالمعنى التقليدي لمفهوم إعادة التدوير، وإنما يتشكل تدريجيا سوق متكامل له بائعوه ومشتروه وعماله وفنيوه. فالأسلاك والحديد والأخشاب والأجهزة الإلكترونية وقطع الغيار تنتقل من تحت الأنقاض إلى البسطات والورش والأسواق لتمنح بعض الأسر مصدرا للدخل وتوفر في الوقت ذاته احتياجات يصعب الحصول عليها عبر قنوات الاستيراد المعتادة.
يعمل المواطن سامي حسين في استخراج الأدوات والمواد القابلة للاستخدام من تحت الركام ثم بيعها في الأسواق المحلية. ويقول حسين إن العمل في هذا المجال أصبح وسيلة أساسية بالنسبة إليه لتوفير دخل لأسرته في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها القطاع.
يوضح أن عملية البحث قد تستغرق ساعات طويلة، لكن العثور على قطعة حديد أو أسلاك أو جهاز يمكن إصلاحه يعني إمكانية بيعها والاستفادة من ثمنها.
ويؤكد حسين أن هذه المهنة لم تعد مجرد عمل مؤقت وإنما أصبحت ضرورية بالنسبة له ولغيره ممن فقدوا مصادر دخلهم خلال الحرب. ويلفت إلى أن ما يستخرجه من تحت الأنقاض يساعده في إعالة أسرته وتأمين احتياجاتها الأساسية، خصوصا في ظل ارتفاع الأسعار ونقص فرص العمل.
يشير إلى أن جزءا من أهمية عمله يتمثل في توفير حاجيات لا تدخل إلى غزة بسبب القيود المفروضة على المعابر. ويضيف: "نحن نبحث تحت الركام عن الأشياء التي يحتاجها الناس ولا يجدونها في الأسواق، بعضها يمكن إصلاحه وبعضها يباع كقطع غيار أو مواد خام".
في مواصي خانيونس، تظهر إحدى صور هذا الاقتصاد الجديد على بسطة أحمد عبد السلام، الذي يبيع الأسلاك وقطع الإلكترونيات التي يشتري جزءا منها من أشخاص يستخرجونها من تحت الركام.
ويقول عبد السلام إن الطلب على هذه المواد ارتفع بشكل كبير، خصوصا مع منع إسرائيلي مطلق للحصول على العديد من القطع والأجهزة من خارج القطاع.
يضيف: "الزبائن يقصدونني بحثا عن أسلاك وقطع إلكترونية وأجهزة يمكن استخدامها في إصلاح معدات أخرى، بعض هذه المواد كانت متوفرة في الأسواق قبل الحرب لكن نقصها حاليا جعل حتى القطع القديمة أو المستعملة ذات قيمة كبيرة".
يشير إلى أن هناك إقبال كبير على الأسلاك والإلكترونيات التي يبيعها على البسطة لأن الناس تحتاج إليها ولا تجد البديل بسهولة.
يعمل عبد السلام على شراء الإلكترونيات من الأشخاص الذين يستخرجونها من تحت الركام ثم يفحصها ويصلح الأجهزة التي يمكن إعادة تشغيلها قبل طرحها للبيع من جديد. أما الأجهزة التي لا يمكن إصلاحها، فيحاول الاستفادة من مكوناتها وقطعها الداخلية بما يسمح بإعادة استخدامها في إصلاح أجهزة أخرى.
يؤكد على أن أهمية هذه الإلكترونيات تتضاعف بسبب عدم دخول العديد من أنواعها إلى القطاع منذ بداية الحرب قبل قرابة ثلاثة أعوام. ويقول إن إعادة استخدام الأجهزة القديمة وإصلاحها يوفران للناس خيارات محدودة لكنها ضرورية في وقت أصبحت فيه عملية شراء أجهزة جديدة أو إدخالها من الخارج شديدة الصعوبة.
مورد اقتصادي مهم
يتجاوز ما يحدث في غزة اليوم فكرة "إعادة التدوير" بالمعنى التقليدي، فنحن أمام ولادة اقتصاد موازي تشكل تحت ضغط الحرب والحصار وانهيار السوق الرسمي. ففي الوقت الذي تتعطل فيه سلاسل الإمداد وتختفي المواد الخام ويتوقف الاستيراد تبدأ المجتمعات تلقائيا في إنتاج بدائلها الخاصة مهما كانت بدائية.
وفي الاقتصاد قاعدة واضحة، وهي أن الندرة تعيد تعريف قيمة الأشياء. وهذا ما يظهر بوضوح في غزة، فالركام الذي يقدر وفق تقارير أممية بنحو 68 مليون طن لم يعد مجرد مخلفات حرب وإنما تحول إلى أصل اقتصادي قابل للتداول والاستخدام، فما كان يعد في السابق نفايات أصبح اليوم مادة يمكن بيعها أو إصلاحها أو تحويلها إلى منتج آخر.
بدوره، يقول المختص في الشأن الاقتصادي محمد الدريملي إن الحديد المستخرج من الأبنية المدمرة أصبح مادة خام تدخل مجددا في السوق، فيما دخلت الأخشاب التالفة في دورة إنتاج جديدة وحتى البلاستيك المحترق أصبح جزءا من سوق بديل نشأ خارج الأطر الطبيعية للاقتصاد.
ويضيف الدريملي: "قيمة هذه المواد لم تعد مرتبطة بحالتها الأصلية وإنما بقدرة الناس على الاستفادة منها في ظل النقص الحاد في السلع"، مشيرا إلى أن الأخطر والأكثر دلالة هو أن الحرب لم تدمر البنية التحتية فقط وإنما أعادت تشكيل "هيكل السوق" نفسه.
يوضح أن الاقتصاد الذي كان يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد والخدمات وتدفق السلع من الخارج، يتشكل فيه تدريجيا اقتصاد قائم على الاستخراج من الدمار وإعادة توظيفه. ويقول إن الركام بات يؤدي وظيفة مستودع ضخم للمواد التي يحتاجها السوق.
يرى الدريملي أن هذا النوع من الاقتصادات يظهر عادة في مناطق الحروب الطويلة والدول المعزولة، حيث تتحول المخلفات إلى موارد وتصبح القدرة على الإصلاح وإعادة الاستخدام أهم في بعض الأحيان من القدرة على الإنتاج.
يشدد على أن ما يحدث في غزة يعكس قدرة المجتمع على خلق آليات اقتصادية بديلة عندما تتعطل الآليات التقليدية، لكنه في الوقت ذاته يكشف عمق الأزمة التي دفعت السكان إلى البحث عن احتياجاتهم داخل المباني المدمرة.
ويؤكد أن الظاهرة تحمل بعدين متناقضين، فمن جهة تعكس مرونة المجتمع وقدرته على التكيف وإيجاد مصادر دخل ومواد بديلة في أصعب الظروف، ومن جهة أخرى تكشف حجم الانهيار الاقتصادي.
هكذا تتحول عملية استخراج المواد من الركام في غزة إلى أكثر من مجرد وسيلة لكسب المال أو التخلص من مخلفات الحرب، فهي دورة اقتصادية نشأت قسرا تحت وطأة الحصار ونقص السلع وأصبحت فيها الأسلاك والحديد والأخشاب والإلكترونيات جسرا بين مدينة مدمرة وسكان يحاولون تأمين احتياجاتهم.