حمزة أبو الطرابيش
في عام 1346، حاصر المغول مدينة "كافا" في شبه جزيرة القرم. ولم يستطيعوا اقتحام أسوارها لمدة شهرين تقريبًا، ففعلوا شيئًا غيّر مجرى التاريخ؛ إذ قذفوا جثث موتاهم المصابين بالطاعون بالمنجنيق إلى داخل المدينة، فتفشى الوباء بسرعة البرق بين السكان، وسقطت المدينة تحت وطأة المرض. وكانت تلك من أوائل وقائع الحرب البيولوجية الموثقة في التاريخ.
اليوم، وإسقاطًا على تعامل "إسرائيل" مع قطاع غزة، يبدو أننا أمام حرب بيولوجية ثانية، لكنها تُدار باقتدار وبطريقة مختلفة في غزة؛ فالاحتلال لا يحتاج إلى منجنيق لقذف الأوبئة، بل يصنع بيئة مثالية لانتشارها.
مع ثلاث سنوات من الإبادة الإسرائيلية، حتى وقت صياغة هذه المقالة، تراكم ما يصل إلى مليون طن من النفايات في عشرات المكبات المنتشرة في القطاع. وبينما ينتج السكان نحو خمسة آلاف طن من النفايات يوميًا، تتكدس القمامة في الشوارع وبين خيام النازحين، في مشهد يتجاوز كونه تهديدًا صحيًا وبيئيًا إلى ما يمكن وصفه بـ"هندسة ممنهجة للموت البطيء".
وفي تفاصيل تلك العبارة التي وُضعت بين هلالين، وبالعودة قليلًا إلى ما قبل الإبادة؛ كانت "إسرائيل" تعلم أن المكبات الثلاثة الواقعة شرق غزة قد انتهى عمرها الافتراضي منذ 15 عامًا، علمًا أن هذه المكبات تنتج "العصارة" أو "الراشح"، وهي مادة كيميائية سامة تضرب التربة والمياه الجوفية. لذلك، عمد الاحتلال إلى السماح للتجار بإدخال آلاف الأطنان من الخردة والأجهزة الكهربائية المستخدمة وذات العمر القصير، لزيادة العبء على تلك المكبات التي كانت أصلًا خارج الخدمة، وبالتالي زيادة نسبة "العصارة" الصادرة عنها، لتصبح عملية تلويث التربة والمياه أسرع وأكثر جدوى.
ومنذ اليوم الأول للحرب، قصفت إسرائيل البنية التحتية لمحطات الصرف الصحي الـ14، وقصفت مقرات البلديات ومخازن تشغيلها، كما دمرت أحواض الصرف الصحي، وقتلت العشرات من العاملين في البلديات وأصابت المئات منهم. وأمام عملية إعطاب جهود البلديات في التخفيف عن المواطنين، منعت قوات الاحتلال عمال البلديات من نقل النفايات المتكدسة في الشوارع وبين الخيام إلى المكبات الرئيسية الثلاثة. وهنا ازدادت أعداد المكبات العشوائية، التي كان عددها قبل الحرب 84 مكبًا.
هذا التكديس المتعمد حوّل خيام النازحين إلى حاضنة وبائية عملاقة؛ فلم نعد نتحدث عن آفات طبيعية فحسب، بل عن جيل من "الجرذان المستوحشة" المهجنة، و"العِرْس" المفترسة التي باتت تهاجم الأطفال الرضع في مضاجعهم، بالتوازي مع أسراب من البعوض والحشرات المجهولة التي تنهش أجساد الصغار والكبار، مسببة أمراضًا جلدية وتقرحات.
وتكشف بعض التقارير أن خبراء إسرائيليين عدّلوا جينيًا بعض القوارض، فأصبحت أكثر شراسة وأكبر حجمًا، وأدخلوها إلى قطاع غزة منذ بدء الحرب.
وتتفاقم الكارثة مع حظر الاحتلال دخول المبيدات، ليرتفع سعر ما ندر منها إلى أرقام فلكية تعجز العائلات عن دفعها، فيُجرّد السكان من خط دفاعهم الكيميائي.
عزيزي القارئ.. هذا الاستعراض السريع يؤكد لك المؤكد: أنك في حرب على مدار اللحظة، وأن خطواتك محسوبة ومدروسة، وأن إهمالك للنظافة الشخصية والعامة، مثلًا، أكبر من أن يكون إهمالًا عابرًا؛ بقدر ما هو نقاط تتقدم بها "إسرائيل".
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، نفتح السؤال المفتوح والثابت دائمًا من قسم التحرير: ما المطلوب أمام هذا الواقع؟!
نحن لسنا خبراء في عمل البلديات، ولم نخضع لدورات مكثفة في آليات التعامل مع تكدس النفايات، لكن من بديهيات القول إن اهتمامك بنظافتك الشخصية، ونظافة المكان الذي تنام وتأكل فيه، والحفاظ على المكان العام الذي تتواجد فيه، هو الحد الأدنى مما هو مطلوب. فلم يعد الأمر بعدًا أخلاقيًا ووعيًا فحسب، بقدر ما أصبح مهمة وطنية في المقام الأول.
أما من الناحية الجماعية، فأولى خطوات النجاة هي تكاتف حيوية الشباب مع حرص الكبار، من خلال إطلاق حملات يومية لرفع مستوى النظافة، باستخدام الأدوات المتاحة لهم.
عودة إلى لفتة تاريخية؛ بعد سقوط ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وفي ظل مقتل مئات الآلاف من الرجال والشبان، أخذت النساء زمام الأمور، وبقين 12 عامًا يرفعن ركام الحرب ويشقن الطرق، لتتحول ألمانيا لما نحن فيه الآن.