مخيم - أحمد أبو قمر
تحولت الخيمة في قطاع غزة من مجرد مأوى مؤقت فرضه النزوح على مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى عنوان لمعاناة ممتدة، بعدما لازمت العائلات النازحة قرابة ثلاث سنوات في ظروف قاسية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
وبين أقمشة لا تقي برد الشتاء ولا حر الصيف، يعيش الفلسطينيون يوميات مثقلة بالخوف والفقدان وشح الاحتياجات الأساسية، فيما يترقبون نهاية واقع النزوح والعودة إلى حياة مستقرة لم تعد ملامحها واضحة.
وفي مناطق النزوح، تتراص الخيام إلى جوار بعضها بعضا، لتشكل تجمعات سكنية جديدة نشأت قسرا وسط الحرب والدمار. وفي هذا الواقع لم تعد المعاناة فردية، فالجار يشارك جاره تفاصيل يومه من تأمين المياه والطعام إلى مواجهة المرض والبرد والحرارة، حتى باتت العلاقات بين سكان الخيام أشبه بعائلة واحدة تجمعها ظروف النزوح وتقاسم الألم.
وبينما فقد كثيرون منازلهم ومصادر رزقهم، وجدوا في هذا التقارب الاجتماعي شكلا من أشكال السند في مواجهة حياة قاسية.
تفاصيل من المعاناة
ولم تتوقف آثار الخيمة عند الجانب الإنساني والاجتماعي، إذ امتدت إلى الاقتصاد أيضا. فمع تدمير المنشآت وتعطل الأسواق وتراجع فرص العمل، نشأت حول الخيام أنشطة صغيرة أُطلق عليها "اقتصاد الخيمة"، تقوم على بيع الطعام والمياه وشحن الهواتف ونقل المساعدات وإصلاح الأجهزة والخياطة وغيرها من الأعمال البسيطة.
وفي ظل غياب مصادر الدخل التقليدية، أصبحت هذه الأنشطة بالنسبة إلى كثير من الأسر محاولة لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
من مدينة رفح جنوب قطاع غزة، نزحت نسرين الجمل إلى منطقة مواصي خانيونس، حيث وجدت نفسها تعيش حياة مختلفة تماما عن تلك التي عرفتها قبل الحرب. تقول إن الخيمة لم تعد بالنسبة إليها مجرد مكان للنوم وإنما أصبحت واقعا يوميا يفرض نفسه على كل تفاصيل الحياة، من الاستيقاظ صباحا إلى محاولة تأمين الطعام والمياه والخصوصية لأفراد الأسرة.
وتصف نسرين الحياة داخل الخيمة بأنها مأساة متواصلة، خصوصا مع صعوبة مواجهة الظروف الجوية وغياب الخدمات الأساسية.
وتوضح أن أكثر ما يثقل حياة النازحين هو الإحساس بأن المؤقت طال أكثر مما يحتمل، وأن الخيمة التي كان يفترض أن تكون محطة عابرة تحولت إلى مسكن طويل الأمد. وتشير إلى أن العائلات تعيش في مساحة ضيقة وسط نقص الاحتياجات الأساسية وتواجه يوميا صعوبات تتعلق بالنظافة والمياه والكهرباء والحرارة والبرد، بينما يبقى حلم العودة إلى المنازل حاضرا رغم الدمار الذي لحق بها.
لكن وسط هذه الظروف القاسية، ترى نسرين جانبا اجتماعيا مختلفا نشأ بين النازحين. فالخيام المتجاورة جعلت الجيران أكثر قربا من بعضهم بعضا وأصبحوا يتقاسمون الأفراح القليلة والأحزان الكثيرة ويساعد بعضهم بعضا في تدبير شؤون الحياة اليومية.
وتقول إن الجار بات في كثير من الأحيان بمثابة فرد من العائلة، بعدما فرض النزوح واقعا جعل الناس أكثر اعتمادا على بعضهم في مواجهة قسوة الحياة داخل الخيام.
خيمة تتوارثها الذاكرة
بالنسبة إلى المواطن عائد سعفان، لا تبدو الخيمة مشهدا جديدا في الذاكرة الفلسطينية، فهي تحمل بالنسبة إليه معنى يتجاوز النزوح الحالي. ويتحدث عن ارتباطها بتاريخ الفلسطيني منذ عام 1948، مستحضرا قصة جده الذي عاش في الخيمة سنوات بعد هجرته من بلدته المحتلة "يبنا". ويرى أن ما يحدث اليوم يعيد إلى الواجهة صورة قديمة من صور التهجير، وكأن الخيمة التي عرفها جيل النكبة عادت لترافق جيلا جديدا من الفلسطينيين.
ويقول سعفان إن الفلسطيني يبدو وكأنه كُتب عليه أن يعيش المعاناة جيلا بعد جيل، حتى باتت الخيمة مرتبطة بتاريخه وحاضره وماضيه. "فبعد عقود طويلة من التهجير واللجوء، يجد الفلسطيني نفسه مرة أخرى داخل خيمة يبحث فيها عن الأمان الذي افتقده في منزله، ويواجه فيها ظروفا قاسية تذكره بأن مأساة النزوح لم تنتهِ وإنما تتخذ أشكالا جديدة مع مرور السنوات".
ويشير إلى أن المعاناة المستمرة لا تقتصر على فقدان المكان وإنما تشمل الإحساس بأن العالم يقف متفرجا أمام هذا الواقع. فبين خيمة وأخرى تتكرر تفاصيل الألم فيما تستمر العائلات في محاولة التكيف مع واقع لم تختره.
وبالنسبة لعائد، فإن استمرار الحياة داخل الخيام يعكس حجم المأساة التي يعيشها الفلسطيني ويجعل من الخيمة رمزا لمعاناة ممتدة تتقاطع فيها ذاكرة الماضي مع قسوة الحاضر.
وإلى جانب الأبعاد الإنسانية والاجتماعية للنزوح، أنتجت الخيام نمطا اقتصاديا جديدا يمكن وصفه بـ"اقتصاد الخيمة"، فقد أدى استمرار الحرب إلى انهيار واسع في مصادر الدخل التقليدية نتيجة تدمير المنشآت وتعطل الأسواق وسلاسل التوريد وتراجع فرص العمل.
ومع انتشار الخيام، ظهرت أنشطة اقتصادية صغيرة تستجيب للاحتياجات اليومية للنازحين، مثل بيع الطعام والمياه وشحن الهواتف ونقل المساعدات وإصلاح الأجهزة والخياطة.
ورغم محدودية هذه الأعمال وعدم استقرار دخلها، فإنها أصبحت بالنسبة إلى كثير من الأسر وسيلة ضرورية للبقاء، فغياب الوظائف التقليدية دفع أشخاصا إلى البحث عن أي نشاط يمكن أن يوفر دخلا يوميا ولو كان بسيطا.
وهكذا انتقل النشاط الاقتصادي من المصانع والمتاجر والورش والمؤسسات إلى مبادرات فردية صغيرة مرتبطة مباشرة باحتياجات سكان الخيام.
لكن هذا الاقتصاد الهش لا يستطيع أن يحل محل الاقتصاد الحقيقي، إذ يفتقر إلى قاعدة إنتاجية مستقرة والتمويل والأسواق وسلاسل التوريد القادرة على النمو.
وتشير بيانات البنك الدولي إلى انكماش اقتصاد غزة بنسبة 83% عام 2024، وبلوغ البطالة 78% خلال 2025، وهو ما يعكس حجم الانهيار الاقتصادي الذي دفع السكان إلى البحث عن أي وسيلة ممكنة للاستمرار.
وبينما تتحول الخيمة إلى مساحة للسكن والعمل والتكافل الاجتماعي، تبقى في جوهرها شاهدة على واقع إنساني قاسي، فهي مأوى يحاول الناس داخله حماية ما تبقى من حياتهم ومكان تتجاور فيه الأسر وتتشارك المعاناة ونقطة تنشأ حولها أنشطة اقتصادية بسيطة.