أحمد أبو قمر



لم يعد غريبا أن تتحول أبسط تفاصيل الحياة في غزة إلى قضية أمنية في نظر إسرائيل. فالطائرة الورقية التي يصنعها طفل من أعواد خشبية وورق ملون وخيط ويطلقها في السماء بحثا عن لحظة فرح وسط الحرب والحصار، أصبحت في الرؤية الإسرائيلية هدفا يستحق القضاء عليه.


الفكرة تتجاوز الطائرة الورقية ذاتها، فهي تعكس رغبة إسرائيلية في فرض السيطرة على كل ما يتحرك في غزة، السيطرة على البر والبحر والحدود والسماء. ولو كان بالإمكان منع الهواء نفسه من الوصول إلى القطاع لربما أصبح الهواء أيضا موضع نقاش أمني.


غزة التي يعيش سكانها تحت قيود خانقة منذ سنوات، تبدو لكثيرين كسجن كبير، فالحركة مقيدة وإدخال الغذاء والدواء والسلع يخضع لقيود شديدة والخروج من القطاع ليس أمرا متاحا بحرية.


وفي هذا الواقع، يصبح اللعب بالنسبة إلى الطفل أكثر من مجرد تسلية، فهو مساحة صغيرة للهرب من الخوف ومحاولة لاستعادة شيء من طفولته المسلوبة.


فالطائرة الورقية ليست مجرد لعبة في سماء غزة وإنما نافذة صغيرة على الحرية، يمسك الطفل خيطها بيده بينما تحلق هي فوق الحواجز والأسلاك وكأنها تحقق ما يعجز هو عن تحقيقه. وفي لحظة قصيرة يشعر الطفل أن السماء ما زالت متاحة له وأن الحرب لم تستطع مصادرة كل شيء.

وبعد منع دخول كثير من ألعاب الأطفال، لجأ أطفال غزة إلى صناعة ألعابهم بأنفسهم وكانت الطائرات الورقية واحدة من أبسطها وأكثرها انتشارا. يرسمون عليها الأعلام والأشكال ثم يطلقونها في السماء وكأن الطفل يقول للحرب، ما زلت أستطيع أن أفرح.


لكن حتى هذه المساحة الضيقة لم تسلم من التهديد، فقد حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، من استمرار وصول الطائرات الورقية من غزة، ملوحا باستهداف المسؤولين عنها وإخلاء السكان من المناطق التي تنطلق منها. ووصل الأمر إلى تقديم إسرائيل شكوى إلى "مجلس السلام" الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بحسب مسؤول إسرائيلي.


المفارقة المؤلمة أن طفلا يبحث عن دقائق من الفرح يمكن أن يجد نفسه في الحسابات العسكرية، جزءا من معادلة أمنية.

وهنا تكمن القصة الحقيقية، عندما تصبح طائرة ورقية تهديدا فإن المشكلة تكمن في واقع يريد أن يجعل غزة بلا مساحة للحركة ولا للفرح ولا حتى للتحليق.