مخيم – مها إبراهيم

في الساعة الأولى التي أُعلن فيها انتهاء الحرب والحملات العسكرية الإسرائيلية الواسعة على قطاع غزة، بدأت الحرب الحقيقية بالنسبة لأهالي غزة، من خلال تكاثف الأزمات الاجتماعية والبيئية والمالية والصحية والأسرية.. إلخ.


إحدى تلك الأزمات أو الملفات، التي تستفحل وتمتد على مدار اللحظة، هو تكدس النفايات في الطرقات وبين الخيام، فبحسب بيان للمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، صدر في يونيو/حزيران الماضي 2026، يواجه أكثر من مليوني فلسطيني يعيشون في قطاع غزة كارثة بيئية وصحية خطيرة، ناجمة عن تراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات الصلبة بين التجمعات السكانية ومراكز الإيواء وخيام النازحين المنتشرة في الشوارع، وتسرب مياه الصرف الصحي، وانتشار القوارض والحشرات بكثافة، وهو ما يهدد حياة السكان وصحتهم، ويضيف بُعدًا جديدًا إلى معاناتهم الإنسانية المتفاقمة.


عادةً ما يُعرف أهل قطاع غزة بمستوى نظافتهم على الصعيد الشخصي والعام، لكن في زمن الإبادة قلبت كل شيء؛ فقد تراكمت النفايات في كل الأمكنة والأزقة والشوارع بعدما مُنعت فرق البلديات من الوصول إلى المكب الرئيسي للنفايات في غزة، بمنطقة جحر الديك المجاورة للحدود مع "إسرائيل"، مع بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023.


دفع ذلك العديد من النازحين إلى إيجاد بدائل للتخلص من النفايات، خاصة في مراكز الإيواء والنزوح. وكان المشهد في البداية قاسيًا؛ نفايات تحيط بالمواطنين وتنبعث منها روائح كريهة، ولا يستطيع أحد التخلص منها بسبب خطورة الأمر، خاصة عند محاولة حرقها، فضلًا عن عدم توفر الأدوات والمعدات اللازمة لجمع النفايات ونقلها والتخلص منها.


أما مبادرات التخلص من النفايات، فكانت ولا تزال خجولة، وتقتصر في كثير من الأحيان على قيام بعض الأفراد بجمعها وتكويمها بين المناطق السكنية، في ظل تعطل عمل البلديات وعجزها عن نقل النفايات إلى الأماكن المخصصة لها، لعدة أشهر متواصلة.


ومن حين إلى آخر، تنطلق حملة نظافة ميدانية بمشاركة طواقم البلديات والعاملين في قطاع الخدمات البيئية ومتطوعين، وتستهدف عددًا من شوارع مدينة غزة وأحيائها المحيطة، وتشمل الحملة جمع النفايات المتراكمة وترحيلها وتنظيف الأرصفة والطرقات، لتعزيز الوعي البيئي والحفاظ على الصحة العامة رغم الظروف الصعبة.


وتُقدّر كمية النفايات الصلبة منذ بداية الإبادة بنحو 900 ألف طن، فيما تُقدّر كمية النفايات الصلبة التي تُنتج يوميًا بنحو 4 آلاف طن. في المقابل، تصل عمليات الجمع إلى نحو طنّين ونصف، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من النفايات كان يبقى متراكمًا في مكانه وتحديدا بين المناطق السكنية خاصة في مخيمات النزوح.

وللإشارة، كانت غزة قبل زمن الإبادة، تنتج نحو 1,726 طنًا من النفايات يوميًا، أي أكثر من 630 ألف طن سنويًا.


 

لماذا السخرية؟!


الشاب مجدي أبو حسنين (34 عامًا) عكس أقارنه، يسكن في خيمة قرب شاطئ ميناء غزة، عند مسجد الحساينة، ويقضي معظم وقته في طرد الحيوانات، والحفاظ على خيمته الصغيرة من دخول الحشرات، حتى إن من حوله يسخرون من انشغاله الدائم بالتنظيف، بحجة أن المنطقة بأكملها ملوثة، ولا جدوى من التنظيف المتواصل.


يقول أبو حسنين لمجلة "المخيم": "الجميع يسخر مني، لكنني أخشى الموت بسبب الأمراض الناجمة عن النفايات (..) أحاول التنظيف بشكل مستمر، كما أنظف المخيم بجهدي الشخصي، وفي بعض الأحيان يساعدني بعض الشباب في التخلص من القوارض التي تتسلل إلى خيامنا، وتقلق حياة الأطفال والنساء".


ويذكر أن عمال البلدية أصبحوا يأتون من وقت إلى آخر، لكن خلال اشتداد القصف لم يكن أحد قادرًا على التخلص من النفايات أو حرقها، خوفًا من استهداف المكان، مشيرًا إلى أن الاحتلال، منذ اللحظة الأولى لبدء الإبادة الجماعية، كان يتعمد شن حرب بيولوجية.


ويحكي أن قصف شبكات الصرف الصحي فاقم الأزمة، خاصة بالنسبة إلى المرضى وكبار السن والأطفال، الذين يعانون الاختناق جراء الروائح الكريهة التي تعم المكان، فضلًا عن وصول مياه الصرف الصحي إلى خيام النازحين بسبب تكدسهم في المنطقة.


وكان طارق الهباش، المدير التنفيذي لمجلس الخدمات المشتركة لإدارة النفايات الصلبة في محافظتي خان يونس ورفح والمنطقة الوسطى، قد قال إنه منذ اليوم الأول لاندلاع الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، منعت قوات الاحتلال الوصول إلى المكبات الرئيسية، وعلى رأسها مكب الفخاري المخصص للمحافظات الجنوبية، ومكب جحر الديك المخصص لمدينة غزة وشمال القطاع.


وأوضح الهباش أن مكب الفخاري كان يُستخدم لتجميع النفايات الواردة من 17 بلدية، والتي كانت تتراوح كمياتها بين 600 و650 طنًا يوميًا.

ومن منبر مجلة "المخيم"، دعا أبو حسنين المواطنين في غزة إلى حملة نظافة شخصية، دون انتظار البلديات أو برامج الدول المانحة، خاتمًا قوله: "بدلًا من السخرية مني، فإن الاهتمام بنظافة المكان الذي يحيط بك هو واجب وطني قبل أن يكون أخلاقيًا، خاصة في هذا التوقيت".


يتمنى الشاب أبو حسنين أن يحذو الشبان حذوه، وأن تكون الاهتمام بالنظافة مسألة رئيسية في هذا الوقت الراهن ختاما حديثه : " الازدياد المبالغ في النظافة ليس رفاهية بقدر انه متطلب مهم جدا، حتى لا نموت ببطء".


تحوّل المنزل إلى مكب نفايات


حين عادت كريمان البردويل (42 عامًا) من مكان نزوحها وسط القطاع إلى منزلها شبه المدمر في حي النصر، صُدمت حين وجدته عبارة عن مكب للنفايات.

تقول البردويل، الأم لثلاثة أطفال: "حاول زوجي، بمساعدة الجيران، تنظيف المكان قدر الإمكان، واضطررنا إلى حرق جزء من النفايات، فالعيش بين أنقاض منزلي أهون من العيش في خيمة".


لا يعني حرق النفايات انتهاء معاناة الأم؛ إذ بدأت رحلتهم مع هجوم القوارض التي عشّشت في المكان. وتكمل: "ذات ليلة، استيقظ ابني كرم، البالغ من العمر ثلاث سنوات، وهو يصرخ بعدما عضّته «عرسة»، وسرعان ما تمكنا من نقله إلى المستشفى وتلقي العلاج اللازم، خاصة أنه أصيب بارتفاع في درجة الحرارة".


وتكمل: "بفعل انتشار النفايات في كل مكان وصعوبة التخلص منها، باتت معركتنا مع القوارض داخل المنزل مستمرة (..) ورغم محاولات التنظيف وتأمين المكان لمنع دخول القوارض «العرس والفئران»، فإنها كانت تقتحم حياتنا باستمرار، فضلًا عن الأمراض الجلدية التي أصابت أطفالي، في ظل عدم توفر كريمات ومراهم ذات فعالية كافية في القطاع".


وكان للدكتور رائد أبو سرية، اختصاصي الأمراض الجلدية، قول يؤكد معاناة النازحين؛ إذ ذكر أن عدد المرضى الذين يراجعون العيادات بسبب مشكلات جلدية مرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بانتشار النفايات والقوارض والحشرات والمياه قد ارتفع بشكل لافت.


وأوضح أن من أبرز هذه المشكلات الحكة الشديدة والطفح الجلدي، بالإضافة إلى حالات من الالتهابات الجلدية البكتيرية الناتجة عن الحك المتكرر لمواضع لسعات الحشرات.


طريق العمل محفوف بالنفايات


"طريق الموت هو طريق عملي".. هكذا تصف المنشطة آيات أبو علوان الطريق الذي تسلكه يوميًا إلى عملها. فهي تعمل في مركز إيواء على تنشيط الأطفال، وحثهم على التفريغ النفسي من خلال اللعب والرسم، لكن قسوة عملها تبدأ منذ لحظة خروجها من منزلها في شارع الجلاء باتجاه حي الدرج.

تصف آيات طريق عملها بـ"الرمادية"، وإن الروائح تكاد تخنقها، خاصة خلال الأشهر الماضية، وقبل انتشال جثامين الشهداء ودفنها، حين كانت الكلاب تنهش الجثامين.


وتحكي لمجلة "المخيم": "بقيت لأكثر من عام لا أخرج من مكان نزوحنا، بفعل تراكم النفايات والروائح الكريهة، ومشاهد الكلاب وهي تنهش جثامين الشهداء بحثًا عما يسد جوعها".


لكن عملها في مركز الإيواء كان ينتظرها، وكذلك الأطفال الذين اعتادت أن تمنحهم مساحة للعب والتفريغ، فكانت تجبر نفسها على الخروج.

لم تعد آيات تخشى الطريق فقط، بل أصبحت تخشى أن تعتاد عليه؛ أن يصبح منظر النفايات طبيعيًا، ورائحة الموت جزءًا من يومها، وأن تتحول مشاهد الألم التي كانت تهزّها في السابق إلى تفاصيل عابرة في حياة مدينة أنهكتها الحرب.


وتتمنى أبو علوان أن تستمر مؤسسات المجتمع المدني في إطلاق مبادرات دائمة لتنظيف الطرقات، وإدخال المعدات اللازمة لإزالة النفايات والركام، بما يسهم في تحسين الظروف المعيشية للسكان والتخفيف من معاناتهم اليومية.


من جانبه، ذكر رئيس بلدية غزة يحيى السراج، في يوم البيئة العالمي، أن البيئة في قطاع غزة تتعرض لكارثة غير مسبوقة نتيجة تراكم النفايات وتلوث مصادر المياه وتدهور الخدمات الأساسية، مشيرًا إلى أن استمرار هذه الظروف ينذر بتداعيات صحية وإنسانية خطيرة على أكثر من مليوني مواطن.

وشدد السراج على أن البلديات تعمل بإمكانات محدودة للغاية في ظل النقص الحاد في الوقود والآليات والمعدات اللازمة لجمع النفايات وترحيلها، موضحًا أن استمرار إغلاق المكب الرئيسي وصعوبة الوصول إليه فاقما الأزمة بشكل كبير.


ودعا السراج إلى ضرورة فتح المعابر وإدخال المعدات والمتطلبات الأساسية لتمكين البلديات من العمل على التخفيف من الآثار الكارثية للعدوان، وتمكينها من إدارة ملف النفايات بما يحد من المخاطر البيئية والصحية، موضحًا أن البلديات تبذل جهودًا متواصلة للتخفيف من معاناة المواطنين رغم التحديات.


وبين النفايات المتراكمة، ومياه الصرف الصحي، وانتشار القوارض والحشرات، لا تبدو الأزمة البيئية في غزة مجرد أثر جانبي للحرب، بل وجهًا آخر من وجوه المعاناة التي يعيشها السكان يوميًا، فيما تبقى الحاجة ملحّة إلى تدخلات عاجلة تعيد للمدن والنازحين أبسط مقومات الحياة