مخيم – مها إبراهيم
فرضت حرب الإبادة الجماعية على الغزيين واقعًا اجتماعيًا جديدًا، لم يقتصر على فقدان المنازل والنزوح من منطقة إلى أخرى، بل طال طبيعة العلاقات بين الناس، وفرض أنماطًا جديدة من التعايش داخل مخيمات النزوح، التي تحولت إلى مساحات مكتظة يواجه فيها النازحون مشكلات يومية تتعلق بالمساحة والخصوصية والمياه والخدمات، فضلًا عن الخلافات العائلية والمناطقية التي بدأت تظهر بصورة أكثر وضوحًا.
مؤخرًا، وفي أقل من أسبوعين، وقعت حوادث قتل مؤسفة بين أهالي الخيام، نتيجة مواقف صغيرة تطورت إلى إزهاق أرواح. ومن بين حالات القتل التي وقعت، حادثة بدأت بخلاف على طابور المياه، حين اعتدى شاب على آخر بقضيب حديدي، موجّهًا إليه عدة ضربات على الرأس، ليرديه قتيلًا في مكانه.
هذه الحادثة وغيرها من الحوادث تعكس حجم الضيق والفوضى التي يعيشها سكان الخيام في غزة. وليس بالضرورة أن يكون واقع الخيام قد تحول إلى غابة يأكل فيها القوي الضعيف، لكن وقوع عدة حالات قتل يدق ناقوس الخطر أمام الجميع، وينبّه إلى أننا أمام حالة من الفوضى المجتمعية يجب تداركها في أسرع وقت ممكن.
خلاف بين طفلين يحرق خيمتين
في أحد مخيمات النازحين المقامة في محيط جامعة الأزهر بمدينة غزة، بدأت الحكاية بخلاف بسيط بين طفلين، لكنها سرعان ما تحولت إلى شجار بين عائلتين، وانتهت بإتلاف خيمتيهما حرقًا.
بدأت القصة عندما أخذ الطفل أكرم عبد القادر، البالغ من العمر سبعة أعوام، "خبزة محشوة بالمربى" من الطفل ياسر، البالغ من العمر ستة أعوام، فما كان من الأخير إلا أن دخل في نوبة بكاء، حتى خرج والده من الخيمة ليستطلع ما حدث. وحين عرف أن أكرم أخذ خبزة ابنه، لطمه على وجهه، الأمر الذي دفع أكرم إلى الإسراع نحو والده والشكوى مما جرى.
خرج والد أكرم غاضبًا من خيمته، وبدأ يردد: "وينه أبو عقل صغير؟" في إشارة إلى والد ياسر، لتتطور المشادة بين الرجلين سريعًا من عتاب على خلاف بين طفلين إلى تبادل للشتائم والضرب بالأيدي، قبل أن يحاول كل طرف الاعتداء على خيمة الآخر، وانتهى الأمر بتدمير وإحراق إحدى الخيمتين.
يقول والد الطفل أكرم: "أكره ما عليّ أن أولادي يطلعوا من الخيمة. على أقل غلطة بين الأطفال بتصير مشكلة، وأحيانًا بتوصل لطوشة كبيرة، زي اللي صارت معنا. كذا مرة ييجي ابني مضروب من أقرانه، أسكت وما أعمل قصص؛ لأنه المشاكل ما بتلاحقنا".
ويكمل الرجل، الذي كان يعمل محاسبًا فيما مضى ولديه أربعة أطفال: «عيشة الخيمة، عيشة صعبة جدًا ومذلة. فوق ما هي صعبة، إحنا بنصعبها على حالنا. إذا كان قبل الحرب عنا شوية أخلاق، الآن في الخيام ومراكز الإيواء محتاجين أخلاق مضاعفة عشرات المرات والوعي التام لنتجنب حالات الصدام».
ويختم المحاسب: "الحمد لله إنها إجت على قد حرق وإتلاف خيمة، ما حدا فينا مات أو انقتل. صار أملي في الحياة إنه ما تصير معي مشاكل أنا وأولادي. هي أقصى طموحي الفترة هذه، بعد ما كان عندي شقة وسيارة وعمل".
" طوشة نسوان"
في مرة، وقعت "طوشة نسوان" على خلفية خلاف حول المياه الساخنة في الشتاء الماضي، حين قررت «نسمة»، البالغة من العمر 22 عامًا، أن تسخّن «طنجرة ماء» للاستحمام. غابت نحو ربع ساعة لتستريح داخل خيمتها، وعندما خرجت لتأخذ الطنجرة، لم تجدها.
بقيت تراقب المكان في المخيم، حتى رأت جارتها "نسرين" وهي تأخذ الطنجرة، وحين سألتها: «لماذا أخذتِ الماء من دون إذن؟ وكيف تجرأتِ على ذلك وأنت تعلمين أن الحطب غالٍ وغير متوفر؟»، بدأت أصواتهما ترتفع، قبل أن تخرج والدة نسرين من خيمتها لتوبّخ نسمة وتحاول الاعتداء عليها بالضرب.
استشاطت نسمة غضبًا، لتتطور المشادة إلى اعتداء بالضرب، قبل أن يخرج ابن السيدة ويكيل لنسمة الشتائم والألفاظ النابية، وينعتها بـ"النازحة"، رغم أنه هو الآخر نازح.
عاد شقيق نسمة إلى المخيم من عمله في وقت متأخر من الليل، وبعد أن سأل الجيران عما جرى، أخبروه بتفاصيل الخلاف وما تعرضت له شقيقته. وما إن سمع القصة حتى خرج غاضبًا باتجاه خيمة العائلة الأخرى، محاولًا تدميرها وإحراقها، كما اعتدى بالضرب على شقيق الفتاة، وحاول قتله حين رفع عليه " "السكين"، لكن تدخل الجيران أنقذ الموقف، وتم ترحيل العائلتين من المكان.
تقول نسمة: "تعرضت لأحداث كثيرة، وكنت أتجنب الرد خوفًا من تطور المشكلة، لكن هذه المرة جرى الاعتداء عليّ من كل أطراف العيلة، والصراحة ما توقعت ردة فعل أخويا".
نسمة خريجة هندسة، ولم يحصل يومًا أن وقعت بينها وبين أحد مشاجرة، حتى كلامية منها. وتكمل: «قبل الحرب، من كثر ما أنا مسالمة، كل اللي حولي يحكولي: اسم على مسمى. دايمًا أنا بنت مبتسمة وبحالي. هذه المرة انصدمت من اللي تعرضت له، حاسة حالي في غابة والقوي بيأكل الضعيف».
جريمة مركبة!
هذه حكاية تكررت تحت وطأة الإبادة أكثر من مرة، فالجوع فرض سلوكيات جديدة لم يعتدها الغزيون، حتى داخل العائلة الواحدة.
كان "سمير" – اسم مستعار – أقدم على الاعتداء على عمته العزباء، وهي كبيرة في السن، لسرقة مصاغها في الخيمة، مستغلًا غياب الجميع وانشغالهم بالأمور الحياتية.
لكن صراخ عمته "العجوز" كان قويًا، ما تسبب في تدخل سريع من الأهل لفض الاشتباك وتخليصها من بين يديه؛ فقد كان يحاول خنقها وسرقة مصاغها، وكان مبرره: «بأي لحظة ممكن نموت، وفي حرامية، وأنا أولى من غيري بذهب عمتي".
أفزعت الحادثة أفراد العائلة ومن حولهم، وباتت عيون كثيرة تراقب تحركات الشباب خشية تكرار الواقعة، لكن هذه القصة لم تكن الوحيدة؛ ففي ظل الجوع والحرمان وضغط الحياة داخل الخيام، تتكرر يوميًا حكايات أخرى، بعضها يبدأ بالطمع وينتهي بخلاف أو اعتداء، في واقع لم يألفه الغزيون قبل الحرب.
الوساطة والإصلاح
هنا، يقول رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، المحامي علاء الدين العكلوك، إن الإبادة الجماعية والنزوح القسري فرضا واقعًا اجتماعيًا جديدًا على سكان قطاع غزة، مشيرًا إلى أن نحو مليوني فلسطيني تعرضوا للنزوح، وأصبحوا يعيشون على مساحة محدودة بعدما سيطر الاحتلال على نحو 60% من الأرض، ولم يتبقَّ سوى نحو 40%، تحولت قرابة 25% منها إلى ركام، فيما توزعت الـ25% المتبقية بين النازحين والمواطنين، بينما تشغل مخيمات النزوح نحو 12% من المساحة.
وأوضح العكلوك لمجلة "المخيم" أن هذا الاكتظاظ داخل المخيمات خلق مشكلات يومية تتعلق بالمساحات، ومداخل الخيام، والممرات، ومصادر المياه، ودورات المياه، وأماكن الطهي، والضوضاء، والخصوصية، إضافة إلى الخلافات بين الأطفال والنساء والعائلات، وتلك المرتبطة بتوزيع المساعدات.
وأشار إلى أن بعض الإشكاليات باتت تظهر بين الأقارب أنفسهم نتيجة تجمع العائلات في أماكن نزوح واحدة، فضلًا عن بروز حساسيات مناطقية بين أبناء المناطق المختلفة، محذرًا من خطورة ذلك على النسيج الاجتماعي.
وبيّن أن مخيمات النزوح شهدت تشكيل لجان مصالحة مجتمعية وإصلاحية للتدخل في الخلافات واحتوائها قبل تفاقمها، مؤكدًا أن العائلات والعشائر والوجهاء يمكن أن يؤدوا دورًا مهمًا في الوساطة والإصلاح، لكنهم لا يمكن أن يحلوا محل القانون.
ولفت العكلوك إلى أن النازحين بدأوا منذ الأيام الأولى للنزوح باللجوء إلى الوجهاء والقيادات المجتمعية لحل الخلافات، مشددًا على أن اللجوء إلى العنف أو السلاح لا يمثل العائلة أو العشيرة، ولا يجوز أن يتحول دور العشائر إلى حماية المعتدي أو تعطيل القانون.
وحذر من خطورة تحول الخلافات البسيطة إلى جرائم قتل، موضحًا أن الحرب وما خلفته من فقدان للمنازل والأحبة ومصادر الرزق، إلى جانب الخوف والنزوح والحرمان، رفعت مستويات التوتر والانفعال لدى الناس، لكنه أكد أن ذلك يفسر العنف ولا يبرره.
وأضاف أن هناك ضغوطًا باتجاه تنفيذ أحكام الإعدام بحق مرتكبي جرائم القتل، مؤكدًا ضرورة معالجة هذه القضايا ضمن إطار القانون، ومنع الثأر والانتقام واحتواء عائلات الضحايا.
وأكد أن تعزيز الأمن المجتمعي يتطلب مؤسسات قادرة على تطبيق القانون، وتفعيل لجان الإصلاح داخل المخيمات، وتنظيم أماكن النزوح والخدمات، إلى جانب توفير الدعم النفسي والاجتماعي، خصوصًا للأطفال والشباب.
وشدد العكلوك على ضرورة توحيد الرسالة المجتمعية في مواجهة هذه الظواهر: لا للسلاح في الخلافات، ولا للثأر والانتقام، ولا لتغطية الجريمة تحت أي عنوان عائلي أو عشائري، مؤكدًا أن الحفاظ على النسيج الاجتماعي والأمن المجتمعي لا يقل أهمية عن توفير الغذاء والماء والمأوى.