قسم التحرير
حين سقط الاتحاد السوفياتي في بداية تسعينيات القرن الماضي، حكمت عصابات "المافيا" البلاد لسنوات، فسقط الأمن والأمان في دولة كانت اشتراكية قومية متماسكة اجتماعيًا. وانتشرت الفوضى وجرائم القتل والسرقة والسلب، إلى جانب جرائم أخرى مركبة وفردية، حتى وصل الأمر إلى أن الرجل لم يعد يستطيع السير مع زوجته في الشارع، خوفًا من قتله أو اختطاف زوجته والاعتداء عليها.
ومع بداية استعادة النظام الروسي عافيته، أطلقت السلطات حملة واسعة ضد زعماء ورجال "المافيا". واشتهرت عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي كان حينها مسؤولًا أمنيًا وضابطًا سابقًا في جهاز الاستخبارات، عبارة مفادها: "سنلاحقهم حتى لو اختبؤوا في المراحيض". وخلال فترة وجيزة، تمكن النظام من استعادة قدر كبير من السيطرة الأمنية على البلاد.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، سعت إسرائيل منذ الأيام الأولى لحربها على غزة إلى إحداث ما يمكن وصفه بـ"الفوضى البديلة"، عوضًا عن النظام القائم في القطاع، بهدف الدفع نحو انهيار المجتمع الغزي من الداخل بأسرع ما يمكن، بما يخدم مخططات التهجير وغيرها من الأهداف.
بدأ ذلك بتدمير المنشآت الأمنية والشرطية، وملاحقة ضباط وعناصر الشرطة واستهدافهم في مواقع مختلفة، حتى طالت عمليات القتل أفراد شرطة المرور.
وتزامن ذلك مع استهداف رجال الإصلاح وكبار العائلات، في وقت اتُّهمت فيه إسرائيل بدعم مجموعات خارجة عن القانون، وتوفير غطاء مادي ولوجستي لبعض المطلوبين والهاربين من السجون، وتعزيز ظاهرة قطع الطرق، إلى جانب دعم مجموعات وعائلات ذات سلوك عدواني داخل مخيمات النزوح.
في مرحلة لاحقة، وصل الأمر إلى تشكيل مليشيات موزعة في خمس نقاط، ومزودة بالأسلحة والإمكانات، بما يسمح لها بالحفاظ على قوة ميدانية مستمرة، في ظل توفير غطاء إسرائيلي جوي لأي تحرك لها.
ولا شك أن هذه الإجراءات الإسرائيلية أحدثت اضطرابًا عميقًا في البنية المجتمعية داخل غزة، ووصلت تداعياتها إلى وقوع حوادث قتل متعمد لأسباب بالغة البساطة، من بينها خلافات على أدوار الاصطفاف في طوابير المياه، فضلًا عن حوادث أخرى وقعت في مناطق متفرقة من القطاع لأسباب تبدو في ظاهرها، بسيطة ولا تستحق أن تنتهي بالعنف أو القتل.
من خلال المتابعة الميدانية ورصد ما يتداوله السكان على مواقع التواصل الاجتماعي، توصل فريق العمل إلى أن المشاجرات داخل مخيمات النزوح، والخلافات بين العائلات والجيران، باتت جزءًا من الحياة اليومية لكثير من سكان الخيام.
وأمام هذا الواقع، ندرك أن ظروف الحياة في الخيمة، صيفًا وشتاءً، لا تترك مساحة كافية للأخلاق والوعي كي يمضيا في مسارهما الطبيعي. لكن ذلك لا يعني مطلقًا أن يكون البديل هو العنف أو التشاجر المستمر.
فالجيران الجدد، وحالة الاغتراب الداخلي التي يعيشها معظم النازحين، تضع الناس بصورة دائمة في حالة من الترقب والحذر تجاه الآخر. ومع ذلك، ينبغي للفلسطيني أن يدرك أن المجتمع الفلسطيني، بمختلف مكوناته وأطيافه وظروفه، مجتمع متجذر في منظومة واسعة من الأعراف الاجتماعية، وأن كبيره وصغيره يعرفان تفاصيل دقيقة من قواعد العيش المشترك وحل الخلافات.
وقبل حرب الإبادة، كانت حالات القتل والبلطجة محدودة ونادرة، ولا تكاد تشكل ظاهرة اجتماعية واسعة.
لذلك، ينبغي إدراك أن ما وصل إليه المجتمع اليوم ليس منفصلًا عن ظروف الحرب وسياساتها وآثارها المباشرة على بنية المجتمع. والأخطر أن يتحول الفلسطيني، من حيث لا يدري، إلى طرف يكرّس هذا الشرخ بنفسه.
فحين يتحول أي خلاف بين الجيران إلى مواجهة، وحين تكون الاستجابة الأولى للمشكلة هي الهجوم والعنف، فإننا نمنح الفوضى مساحة أكبر، ونساعد، من حيث لا نقصد، في تحقيق النتيجة التي تريدها إسرائيل: مجتمع منهك، متشظٍ، يفقد قدرته على التماسك الداخلي.
أما بشأن الخطوات العملية المطلوبة لتصحيح المسار المجتمعي، وتعزيز آليات ضبط الخلافات وحماية النسيج الاجتماعي في ظل النزوح والحرب، فيمكن الرجوع إلى ما طرحه رئيس التجمع الوطني للقبائل والعشائر والعائلات الفلسطينية، المحامي علاء الدين العكلوك.