غزة – صابرين العابد


بدأت الإبادة على غزة، وأنا في شهري السادس من الحمل، بعد ثماني سنوات من التوقف عن الإنجاب. كنت أحمل جنيني في بطني كما لو أنني أحمل قلبي في محاولة مني لحمايته والحفاظ عليه، أتحسس نبضه وحركته كل يوم وأهمس له في داخلي: يجب أن ننجو معاً لتضيء قلوبنا وحياتنا من جديد.

منذ اللحظة الأولى من اشتعال الحرب، لم يعد هناك معنىً للاستقرار لي وعائلتي. تنقّلنا بين بيوت الأقارب نازحين، وفي ساحات المستشفيات، ثم إلى الخيام، حتى أننا سلكنا طرقاً لا نعرف أين تنتهي بنا.


كنت أسير مع زوجي وطفليّ، حاملةً في رحمي حياةً أخرى تقاوم معي وسط عالمٍ فقد ملامحه.


عشنا الحصار والاجتياحات والقصف والخوف والرعب الذي لا تكفي الكلمات لوصفه. أصوات القصف كانت أقرب من نبضنا، والدبابات والدمار صاروا جزءًا من تفاصيل أيامنا. كنا ننام على الخوف ونستيقظ عليه، نبحث عن مكانٍ أكثر أمانًا فلا نجد سوى نزوحٍ جديد.

وفي هذه الرحلة القاسية، رأيت وجوهًا مختلفة للأمومة الموجوعة، أمّ رحلت هي وطفلها قبل أن تراه، وأخرى فقدت حياتها وبقي جنينها حيًا، وأمّ خرجت من الحرب بقلبٍ مثقل بالفقد.


أما أنا، فكنت حالة مختلفة، نجوت ونجا جنيني معي -الحمد لله- كنت أتمسك به كما لو أنني أتمسك بالحياة ذاتها، أقول للموت كل يوم بصمت: لن تأخذه مني. لم أكن امرأة تهرب من القصف فقط، بل أمًا تحرس حياةً كاملة في رحمها، تقاتل لتمنح طفلها فرصة أن يطلق صرخة الحياة ليرى النور.

في الخيمة، في شهر فبراير حيث البرد القارص حان وقت المحاض لتنيرنا صغيرتي الصامدة "أميرة" التي أبت إلا أن تبقى متمسكة بي. ولدت وكان القهر يأخذ أشكالًا أخرى بين شوادر حارّة حارقة صيفا، باردة متجمدة شتاء، غير الحشرات بأنواعها، وشحّ الماء، والتعب الذي لا ينتهي، والخوف الدائم على أطفالي.ومع ذلك، لم ينكسر داخلي الإيمان بأن هناك يومًا سنحكي فيه أننا نجونا.


أطلقت على صغيرتي اسم "أميرة"، ليس لأنه اسم جميل فحسب، بل لأنه يحمل رسالة. أردتُ أن تعرف، ويعرف العالم معها، أن الحرب سرقت منا بيتنا الدافئ، وأثقلت أيامنا بالنزوح والخوف، لكنها لم تستطع أن تسلبنا كرامتنا ولا أحلامنا. بقيت في بطني أميرة تسعة أشهر، وولدت أميرة، وستبقى أميرة بإذن الله؛ أميرة على قلب أمها، وأميرة على حكاية صمود بدأت من قبل أن ترى النور.


أحيانًا أشعر أنني أشبه العنقاء الفلسطينية؛ ذلك الطائر الذي ينهض من الرماد. خرجت من قلب الموت وأنا أحمل الحياة، ومن بين الركام ما زلت أؤمن، أحب، وأحمي أطفالي.


هذه ليست قصتي وحدي، إنها حكاية آلاف النساء الفلسطينيات اللواتي حملن الحياة في أحشائهن وواجهن الموت في كل لحظة. حكاية المرأة التي لا تُختزل في صورة أو رقم أو خبر عاجل، بل وطنٌ صغير يمشي على قدمين، وإذا نجا، نجا معه معنى كامل للصمود.

إلى طفلتي..

أحملكِ رسالةً لم تُكتب من فراغ، بل وُلدت من قلب التجربة، ومن تفاصيل حياةٍ علّمتني أن الصمود ليس شعارًا بل فعل يومي.

قصتكِ كانت وما زالت منهج حياة؛ منهجًا للإصرار والتحدي، للإرادة التي لا تنكسر، وللصبر الذي يتكئ على اليقين بمعية الله في كل خطوة. في زمنٍ يُحاول فيه البعض طمس ملامحنا، وشطب فلسطينيتنا وغزّيتنا على كل المستويات، كنتِ أنتِ الدليل أن الهوية لا تُنتزع، وأن الانتماء لا يُمحى مهما اشتدّ الألم.

أحملكِ أمانة الوعي، ويقين أن القوة ليست في غياب الجراح، بل في القدرة على الوقوف. وأن الحياة، مهما قست، تبقى مساحةً لنصنع فيها معنى، ونزرع فيها أثرًا، ونحفظ فيها اسمنا وكرامتنا كما هي بلا نقصان.