ياسر قطيشات

كاتب وحقوقي


منذ احتلال فلسطين عام 1948، ظهر التناقض الجذري بين طبيعة كيان يقوم على الاستيطان والعدوان والتوسع العسكري، ومفهوم "السلام" الذي يفترض رغبة حقيقية بالاستقرار والأمن. فالتاريخ السياسي والسلوكي للكيان يكشف أن إسرائيل لا ترى السلام خياراً استراتيجياً لها، ولا تؤمن به قياداتها، وتعتبره حكوماتها أكبر تهديد وجودي يقوّض شرعيتها السياسية في الأحزاب اليمينية المتطرفة ويهدد استمرارها في المناصب الرسمية.


ولا يمكن فهم سلوكها العدواني بمعزل عن فلسفة وجودها بوصفها "دولة وظيفية" لخدمة مصالح الغرب عامة، والمصالح الأميركية خاصة، كما وصف دلالة وجودها المفكر عبد الوهاب المسيري، حين قال إن إسرائيل تمثل "حاملة طائرات أميركية" مستقرة في قلب الوطن العربي لتمزيق وحدة العرب، واستنزاف قدراتهم ومواردهم بإدامة حالة النزاع والاضطراب في الشرق الأوسط.


وعندما نفحص سلسلة تنازلات العرب إزاء ما يسمى بوهم السلام مع الكيان الإسرائيلي، نكشف زيف السعي اليهودي للسلام مع العرب، فمنذ صدور ما يسمى بقرارات الشرعية الدولية (242 و338) بعد حربي 1967 و1973، والتي قَبِلَ بها العرب أرضيةً مناسبة للتفاوض ضمن الحلول المتاحة، رغم أنها تجاوزت الحق الفلسطيني الأصيل في الأراضي المحتلة عام 1948 وكذلك قرار التقسيم (181) لعام 1947، لكن الرد الإسرائيلي كان دائماً بفرض وقائع جديدة بالقوة لتغيير الواقع والنجاة مما يرونه "استحالة السلام مع الأعداء"، بحسب التوراة.


وتؤكد الوقائع التاريخية أن كل اتفاقيات وقف إطلاق النار أو الهدن، منذ عام 1948 وصولاً إلى كامب ديفيد عام 1978، لم تكن برغبة إسرائيلية، بل نتاج أدوات ضغط أميركية لصالح إسرائيل، عبر حلفاء وعرّابين أمثال كيسنجر وروجرز وشولتز؛ بهدف المناورات السياسية وإقناع العرب بسلام "التنازل دون مقابل"، فمفهوم "السلام"، كما هو مفهوم "الحق" الفلسطيني، في الوعي الإسرائيلي، يُنظر إليه بوصفه تهديداً وجودياً واعتداءً على الحق الإلهي لليهود في السيادة والأرض الموعودة.


 لذلك اخترع العقل العدواني اليهودي مصطلح "الأمن الإسرائيلي" باعتباره بوابة عبور شرعية تمنح الكيان حرية مطلقة في العدوان وارتكاب المجازر والاعتداء على الآخرين.. بحجة الدفاع عن النفس. لهذا، دفع إسحاق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، عام 1995 ثمن السلام والتنازل عن الحق الوجودي، بعد اغتياله على يد متطرف يهودي، يمثل عقيدة منظومة فكرية صهيونية ترفض مسار السلام والتسويات، بعد توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 ووادي عربة عام 1994. ورغم أن رابين نفسه كان يمثل عقلية يهودية أمنية صرفة إزاء مفاهيم الحقوق الفلسطينية والسلام مع العرب، ومارس بعنف سياسة "تكسير العظام ضد الشعب الفلسطيني"، ورغم أن اتفاقيات السلام مع الأردن وفلسطين جاءت نتاج ضغط أميركي، وأن اتفاق "أوسلو" لم يمنح الفلسطينيين سوى "وهم" مؤجل لدولة مستقلة في زمن مبني للمجهول.. إلا أن المنظومة الأيديولوجية الإسرائيلية حاربت بعنف هذا المسار.


وخطورة اغتيال مسار السلام مع العرب، مهدت الطريق لصعود قوى اليمين المتطرف في إسرائيل منذ عام 1995 بقيادة حزب الليكود وزعيمه نتنياهو - المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بجريمة الإبادة في غزة - الذي يقود أجندة علنية قوامها التهجير وتهويد القدس وتوسيع الاستيطان منذ أكثر من ربع قرن.


ولتجاوز جوهر الحق الوطني الفلسطيني، طرحت الولايات المتحدة في عهد إدارة ترامب الأولى ما يسمى بـ"الاتفاقيات الإبراهيمية" مع بعض الدول العربية لتجاوز جوهر الصراع والقفز عن "عقدة" حقوق الشعب الفلسطيني والدولة المستقلة.. وسرعان ما تبين أن الاتفاقيات خارج سياق التاريخ، ولم تكن سوى "صك أمان" لإسرائيل بصيغة "استسلام عبثي" عربي.


وما تشهده المنطقة العربية اليوم، منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023 من تدمير ممنهج وحروب إبادة وتهجير في غزة والضفة، والعدوان المستمر على سورية ولبنان، والاعتداء على اليمن وشن حرب عدوانية إسرائيلية أميركية ضد إيران.. إلخ. كل هذا يعكس عقيدة إسرائيلية يمينية متطرفة، ترى القتل والدمار الوسيلة الوحيدة للأمن.


وعندما أُجبرت إسرائيل بضغط أميركي على توقيع مذكرات وقف الحرب في لبنان، نهاية عام 2024، وأخرى بشأن غزة عام 2025، ووقّعت أميركا نيابة عنها مذكرة تفاهم وقف الحرب العدوانية على إيران في حزيران/ يونيو 2026، بعد مفاوضات معقدة بين واشنطن وطهران، أخذت حكومة اليمين المتطرف بالتملص من التفاهمات الأميركية، بدعاوى حرية الدفاع عن النفس والأمن، ما أدى إلى مشاحنات غير مسبوقة وعلنية بين نتنياهو ووزرائه وإدارة ترامب، بسبب رفض إسرائيل الخضوع لإرادة أميركية جانحة للتهدئة والسلام "المؤقت" على كافة جبهات النزاع.


وفي جنوب لبنان وغزة، تحاول السردية اليمينية الإسرائيلية تطبيق مبدأ السلام بالإخضاع وانتزاع جزء من سيادة دولة وشعب كمناطق آمنة قابلة للزيادة والتوسع، فالكيان لا يرى في غياب حدود سياسية وجغرافية "دائمة" مع سورية ولبنان وفلسطين نقطة ضعف، بل ميزة استراتيجية لخلق ما يسمى بالحدود "المائعة" التي تخدم إسرائيل، بوصفها مشروعاً صهيونياً توسعياً.


 والسؤال المطروح الآن أمام العرب: هل يمكن لدولة "عدوانية" تُسيطر عقيدتها الدينية على وعيها السياسي وتؤمن بفكرة أن "السلام مع الأغيار مستحيل"، أن تصنع سلاماً معكم؟!.

لا خلاف أن إسرائيل لا تؤمن بالسلام، وهذه حقيقة تاريخية، وهو بالنسبة لها مسألة "إشغال لا اشتغال".. لكن اليقين اليوم: أن لا سلام سيشهده العرب والشرق الأوسط والعالم برمته.. بوجود هذا الكيان.. "قُضي الأمرُ الذي فيه تستفتيان".