أحمد أبو قمر
تجاوز الحصار المفروض على قطاع غزة حدود إغلاق المعابر وتقييد حركة البضائع ليفرض واقعا جديدا أعاد تشكيل الجغرافيا والاقتصاد معا عبر ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، الذي حول مساحات واسعة من القطاع إلى مناطق معزولة خارج الاستخدام المدني والإنتاجي.
وبات هذا الخط يفرض واقعا اقتصاديا غير مسبوق، بعدما سيطر على نحو 70% من مساحة القطاع، بما يشمل أكثر من 80% من الأراضي الزراعية وأغلبية المناطق الصناعية، وهي المناطق التي كانت تمثل العمود الفقري للإنتاج الغذائي إلى جانب احتضانها المصانع والورش والمنشآت الاقتصادية.
وفي ظل هذا الواقع، تتسع دائرة الخسائر لتطال المزارعين والصناعيين والعمال، بينما يحذر مختصون من أن ما يجري لا يقتصر على الدمار المادي وإنما يمثل عملية إعادة تشكيل للاقتصاد الفلسطيني في غزة، بما يهدد فرص التعافي لعقود مقبلة.
إنتاج معطل
يقول المزارع عادل العطار من مدينة بيت لاهيا شمال قطاع غزة، إنه كان يعتمد على زراعة 16 دونما لإعالة أسرته وتوفير فرص عمل لتسعة مزارعين آخرين، إلا أن وقوع أرضه الزراعية داخل نطاق "الخط الأصفر" حرمه من الوصول إليها، لتتوقف حياته العملية بشكل كامل.
يكمل العطار: "كنت أعيش من إنتاج هذه الأرض التي توفر مصدر رزق لي ولتسعة مزارعين كانوا يعملون معي بشكل يومي، لكننا اليوم جميعا بلا عمل وأصبحنا نواجه ظروفا معيشية قاسية أدخلتنا في دوامة الفقر بعد أن فقدنا مصدر دخلنا الوحيد".
ويضيف: "كنا نطرح إنتاجنا من الخضروات في السوق المحلي بأسعار تناسب الظروف المعيشية الصعبة لسكان غزة، أما اليوم فأغلبية الخضروات أصبحت مستوردة وبأسعار مرتفعة لا يستطيع كثير من المواطنين شراءها، بعدما خرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن الخدمة".
أما الصناعي ناجي عاشور، فكان يمتلك مصنعا لإنتاج البسكويت والمواد الغذائية في مدينة رفح جنوب القطاع، قبل أن تدمره إسرائيل بالكامل خلال الحرب، لتتحول سنوات طويلة من الاستثمار والعمل إلى ركام.
ويقول عاشور: "خسرت المبنى وفقدت خطوط الإنتاج والماكينات والمعدات وكل ما بنيته خلال سنوات طويلة، حجم الخسائر كبير جدا ولم يعد هناك أي إمكانية للعودة إلى العمل في الوقت الحالي".
يضيف: "المشكلة تمتد إلى استمرار السيطرة الإسرائيلية على مدينة رفح ضمن ما يعرف بالخط الأصفر، ما يمنعنا من الوصول إلى موقع المصنع أو البدء بإعادة تأهيله، وحتى لو توفرت الإمكانيات، فإننا لا نستطيع العودة أو إعادة تدشين المصنع في ظل استمرار هذا الواقع".
ويعرب عاشور عن أمله في أن تنسحب القوات الإسرائيلية وتعود الحياة الاقتصادية إلى المدينة، قائلا: "نتطلع إلى اليوم الذي نستطيع فيه العودة إلى رفح وإعادة بناء مصانعنا ومشاريعنا من جديد، لأن استمرار الوضع الحالي يعني بقاء آلاف العمال وأصحاب المصانع بلا مستقبل".
اقتصاد منهك
بدوره، يؤكد مدير العلاقات العامة والإعلام في وزارة الزراعة، لؤي رجب، أن القطاع الزراعي كان يشكل أحد أهم ركائز الاقتصاد في غزة قبل الحرب، موضحا أن مساحة الأراضي الزراعية بلغت نحو 195 ألف دونم، منها 95 ألف دونم كانت مزروعة فعليا بالخضروات والحبوب والأشجار المثمرة وكانت تمثل مصدر رزق لآلاف العائلات الفلسطينية.
يضيف رجب: "الزراعة كانت تساهم بأكثر من 11% من الناتج المحلي الإجمالي لقطاع غزة، بقيمة إنتاجية تصل إلى مئات ملايين الدولارات سنويا، إلا أن جزءا كبيرا من هذه المنظومة خرج من الخدمة بالكامل، سواء نتيجة التدمير المباشر أو بسبب منع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، الأمر الذي انعكس على الأمن الغذائي وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية وتراجع الإنتاج المحلي بصورة غير مسبوقة".
من جانبه، يرى المختص الاقتصادي عماد لبد أن ما يجري في قطاع غزة يتجاوز كونه إجراءات عسكرية، ليصل إلى إعادة صياغة كاملة للاقتصاد والجغرافيا في آن واحد، من خلال عزل مساحات واسعة كانت تمثل مركز النشاط الزراعي والصناعي والإنتاجي.
ويقول لبد إن التأثير لا يقتصر على معاناة السكان وتكدس مئات الآلاف منهم في مناطق ضيقة، وإنما يمتد إلى خسائر اقتصادية هيكلية بعدما تعرضت الأراضي الزراعية والمصانع والورش والمخازن لتدمير واسع، ما أدى إلى توقف شبه كامل للأنشطة الاقتصادية وتعطل آلاف فرص العمل والإنتاج الزراعي والصناعي.
ويشير إلى أن المؤشرات الاقتصادية تعكس حجم الكارثة، إذ سجل اقتصاد غزة انكماشا تجاوز 87% خلال عام 2025 مقارنة بما قبل الحرب، فيما تخطت معدلات البطالة 80% وهي من بين الأعلى عالميا، بينما تجاوزت معدلات الفقر 90% من السكان، وفقدت مئات آلاف الأسر مصادر دخلها الأساسية.
ويؤكد لبد أن الأخطر في هذه الأرقام أنها تكشف عن عملية تفكيك تدريجي للاقتصاد لا يتوقف عند حدود الدمار، بما يجعل إعادة الإعمار والتعافي أكثر تعقيدا في المستقبل.
وبينما يواصل "الخط الأصفر" تغيير ملامح الجغرافيا في غزة، تتسع انعكاساته لتطال بنية الاقتصاد بأكملها مع خروج مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمناطق الصناعية من دائرة الإنتاج وفقدان آلاف الأسر مصادر رزقها.
وبذلك تحول الخط الأصفر من مجرد حدود ميدانية إلى واقع يعيد رسم الخريطة الاقتصادية للقطاع ويغير ملامحها لسنوات مقبلة.