حمزة أبو الطرابيش
أثار إعدام الشاب المتخابر مع الجيش الإسرائيلي، الذي خُوِّلت له مهمة رصد ومتابعة عز الدين الحداد، قائد أركان كتائب القسام، الذي اغتيل قبل شهرين، جدلًا واسعًا في الشارع الفلسطيني؛ فمنهم من رحّب وأثنى على فكرة الإعلان عنه والتشهير به ليكون رادعًا لمن هم على شاكلته، وآخرون رفضوا هذه الفكرة بالمطلق، من باب الحفاظ على النسيج الاجتماعي، والجزء الثاني والأهم، حفاظًا على سمعة العائلة، على اعتبار أنها الضحية في المقام الأول.
عقب هذا الجدل، أرسلت لي زميلة عبر البريد الخاص رسالةً تتساءل فيها باستغراب عن عدم تعقيبي على هذه المسألة. تفهّمت لاحقًا أنها كانت محتارة بشأن أي صف يمكن أن تقف فيه وتتفق معه، فيما بقيت إجاباتي معلقة حتى صياغة هذه المقالة.
في الحقيقة، تركت فكرة "مع أو ضد"، أو أي الفريقين هو الأصح، واتجهت إلى ما هو أهم، وهو تشخيص فكرة التخابر مع الاحتلال، خاصة في زمن الإبادة. والصادم في الأمر أن التخابر مع الاحتلال، أو حالة "وحل العمالة" في هذا التوقيت، تكاد تكون غير مسبوقة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليس من ناحية تكاثر أعداد المتخابرين، أو طبيعة إمكاناتهم وما يملكونه من أدوات، بقدر ما هو السلوك الإسرائيلي، أو الاستراتيجية التي تتبعها إسرائيل في توظيف هذا السلاح الأخطر.
يا سادة، نحن نواجه عملية "تخابر مركبة" ممنهجة ومدروسة بميزان من ماء. الجزء الأول، وهو كما هو متعارف عليه منذ نشأة "إسرائيل"، والذي لا يمكن التخلي عنه، يتمثل في متابعة الأشخاص، ثم إسقاطهم، ثم تجنيد شبكة من الفلسطينيين عبر ضباط إسرائيليين درسوا حالاتهم النفسية والمادية والمعنوية والأمنية، وميولهم السياسية، ثم تحريكهم كالدمى، ليكونوا بنك معلومات دقيقًا.
وعلى الرغم من استعمال الجيش الإسرائيلي أجيالًا متقدمة من الذكاء الاصطناعي في حربه على غزة طوال الأعوام الثلاثة الماضية، وإدخال تقنيات حربية ليزرية، وأسلحة متطورة تعتمد على الأشعة تحت الحمراء وفوق البنفسجية، وتقنيات لتحليل الموجات الصوتية في باطن الأرض، والاعتماد على برنامج "لافندر"، فإن نجاح أهدافه لا يكتمل إلا بما يقدمه العنصر البشري على أرض الميدان، أي المتخابر.
أما الجزء الثاني، والأخطر، فهو إنشاء إسرائيل مليشيات مسلحة موزعة على طول الشريط الحدودي الذي وضعته مؤخرًا، والمعروف بـ"الخط الأصفر". هذه الخلايا غير معروف عددها، لكن المؤكد أنها بقيادة فلسطينيين، وأن عناصرها أيضًا من فلسطينيي قطاع غزة.
أضافت "إسرائيل" هذا العنصر الميداني غير المسبوق ليتولى تنفيذ مهام الخطف والقتل وخلق حالة من الفوضى، بدلًا من إدخال قوات مستعربة لتنفيذ هذه المهام، أو المخاطرة بإنزال وحدات خاصة مدربة على أعلى مستوى، خشية تكبد الخسائر أو وقوعها في الأسر، كما حدث في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2018 شرق خانيونس.
وخلال إجراء أحاديث مختلفة مع رجال من أمن المقاومة، تبيّن مؤخرًا أنه أُلقي القبض على شبكة من العملاء، كانت مهمتهم جمع المعلومات ونشر الشائعات في الشوارع والأسواق وعبر مواقع التواصل الاجتماعي. والأمر الصادم أن أغلبهم مراهقون لا تتجاوز أعمارهم 18 عامًا.
كما أن المتتبع للمقاطع والصور التي ينشرها عناصر هذه المليشيات عبر صفحاتهم الشخصية، يجد أن أغلبهم من المراهقين والشبان صغار السن، وهو ما يؤكد أن هناك استراتيجية مدروسة لاستدراج أكبر عدد ممكن من الجيل الواعد إلى وحل العمالة، عبر الوسائل المذكورة آنفًا.
على كل حال، وأمام هذا الاستعراض السريع لـ"استراتيجية التخابر المركبة"، لا أعلم كيف يمكن محاربة هذا الأمر في أسرع وقت، أو كيف نوقف حالة "أن نذبح أنفسنا بسيفنا"، خاصة أن غزة تسير بأقدام مبتورة، بالكاد تستطيع الزحف، وبالكاد توفر الحد الأدنى من مقومات الحياة لسكانها الذين بات أغلبهم نازحين في الخيام.
وأمام غياب الاستراتيجية الفلسطينية، والمكون الوطني المؤسساتي، والمنظومة النفسية والتعليمية القادرة على مواجهة هذا الغول الذي يفتك بأجيال غزة، لا أرى ضررًا في أن أوجه بعض النصائح والملاحظات، لعل أحد الآباء من أقاربي، أو أحد أصدقائي، أو أحد القراء الذين قد يثقون بنا، يجد فيها ما يعينه على حماية الأبناء من الوقوع في العمالة أو أي شكل من أشكال الاستدراج الأمني.
وخلال حديثي المطول مع ضباط في أمن المقاومة، أرجعوا سقوط بعض المراهقين في وحل العمالة إلى أسباب، أبرزها غياب القدوة أو الأب المسؤول نتيجة القتل، أو فقدان الابن ثقته بوالده لعجز الأخير عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة. لذلك، قد تكون أولى الخطوات هي تعزيز حضور القدوة، وبناء جسر من الثقة مع الأبناء، من خلال الحرص على أن يشعر الابن بالأمان في الحديث مع والديه.
ثم تأتي التوعية بأساليب الاستدراج؛ فاشرح له أن الاستدراج قد يبدأ بمساعدة بسيطة، أو هدية، أو فرصة عمل، أو طلب معلومات تبدو غير مهمة. كما ينبغي تنبيه الأبناء إلى عدم مشاركة الصور أو المواقع أو المعلومات الشخصية مع أشخاص مجهولين عبر الإنترنت أو تطبيقات التواصل.
كذلك، كن على اطلاع بالأشخاص الذين يتواصل معهم ابنك، سواء في الواقع أو عبر الإنترنت، مع احترام خصوصيته، وعزّز لديه قيم الأمانة، وتحمل المسؤولية، وأهمية الحفاظ على المجتمع وعدم الإضرار بالآخرين.
والأهم من ذلك كله، مراقبة التغيرات المفاجئة؛ فانتبه لأي تغير غير مبرر في السلوك، أو امتلاك أموال أو أجهزة جديدة دون تفسير واضح، أو الميل إلى السرية المفرطة، وتعامل مع الأمر بالحوار الهادئ. وعلّم أبناءك ألا يتخذوا قرارات تتعلق بعروض أو طلبات غير معتادة قبل استشارة الوالدين أو شخص بالغ موثوق. ومن النصائح الثابتة أيضًا التأكيد على طلب المساعدة عند التعرض للضغط، وعدم محاولة التعامل مع الأمر بمفردهم.
أعلم، أن على الورق، قد تبدو هذه التوجيهات سهلة على الآباء، لكن في واقع مثل غزة، حيث أصبحت المحافظة على الأسرة والأبناء معركة يومية، يخوض الأب أو أي شخص معيل، حروبًا مركبة، لكن هذا ليس مبررا لأن يفلت ابنك من يدك.