مراسلتنا_ مها إبراهيم
ما أكثر القصص والخبايا التي تختبئ بين جنبات الركام، وفي الخيام المهترئة، وبين البيوت الآيلة للسقوط، لا سيما عندما يرتقي ربّ الأسرة تاركًا عائلته بلا معيل. فقد أنهكت هذه الحرب جميع الشرائح اقتصاديًا واجتماعيًا، ودفعت بعض الفتية والشباب إلى التمرد على واقعهم المرير، والبحث عن متنفس بأي وسيلة.
وفي ظل هذا الفراغ واليأس، تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى مصيدة سهلة نصبها الاحتلال، مستغلًا قسوة الظروف المعيشية لاستدراجهم والإيقاع بهم وتجنيدهم لخدمة أهدافه.
منذ اللحظة الأولى للإبادة الجماعية، كان الاحتلال يدرك أهدافه، فعمل على تفكيك النسيج الاجتماعي بين الغزيين، عبر محاولات لزرع سلوكيات لا تمت إلى طبيعة المجتمع الغزي المقاوم بصلة، لكن بوقوع قلة من الأفراد فريسة سهلة للاستدراج والاستغلال لا يعني سقوط المجتمع وطنيًا أو أخلاقيًا، خاصة و آلاف منهم أنهكتهم الحرب بما خلفته من فقد وجوع ونزوح، ومع ذلك ظلوا متمسكين بثوابتهم، وصامدين في مواقفهم الإنسانية والوطنية.
نستعرض، عبر مجلة "مخيم"، حكايات واقعية نختصر تفاصيلها حفاظًا على خصوصية أصحابها، ونرويها للعبرة والتحذير، ولتعزيز الوعي بمخاطر الوقوع في شِراك الميليشيات أو أي وسائل استدراج ينصبها الاحتلال الإسرائيلي للنيل من الفتية والشباب، الذين أنهكتهم الحرب، سواء كانوا نازحين في الخيام أو متمسكين بالبقاء فوق ركام منازلهم.
الاستمرار أو القتل
في حي الدرج بمدينة غزة، بقي الشاب "معتز" (19 عامًا) صامدًا مع عائلته منذ بداية الإبادة الجماعية. فمنذ الشهر الأول للحرب، فقد والده وشقيقين، ولم يبقَ معه سوى والدته وشقيقاته الثلاث وشقيقه الأصغر، بعدما كُتب لهم النجاة إثر قصف منزلهم والخروج من تحت الأنقاض.
تنقل معتز مع والدته بين أحياء مدينة غزة، رافضين فكرة النزوح، رغم الاجتياح البري ودخول قوات الاحتلال إلى شوارع المدينة، والجوع الذي أنهك السكان، والقتل الذي كان يحيط بهم من كل جانب.
حتى أبسط مقومات الحياة التي كانت تربط الصامدين في شمال غزة بالعالم الخارجي كانت غائبة؛ فلا شبكات إنترنت ولا وسائل اتصال تُمكنهم من معرفة ما يجري حولهم.
وحين كانت الأوضاع تهدأ قليلًا، كان معتز يخرج مع شبان حارته بحثًا عن المساعدات، وإن حالفهم الحظ والتقطوا إشارة إنترنت، يتصفح التطبيقات المختلفة؛ وهناك، جذبه تطبيق "تيك توك"، فبدأ يوثق تفاصيل حياته خلال الحرب عبر مقاطع فيديو، وينشرها كلما تمكن من الوصول إلى شبكة الإنترنت.
وخلال ذلك، تعرّف إلى شاب ادعى أنه من فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، وكان يطمئن باستمرار على الأوضاع في غزة، ويرسل له مبالغ مالية لمساعدته. ومع مرور الوقت، توطدت العلاقة بينهما، وأخذ يسأله عن أدق التفاصيل المتعلقة بالمنطقة التي يعيش فيها، وعن الشبان الموجودين فيها. كان معتز يستغرب معرفته ببعض الأشخاص، فيجيبه بأنه يتابعهم عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويؤكد أنه يحب غزة وأن حياته تكاد تتوقف حزنًا وتضامنًا مع أهلها.
وبعد نحو شهرين من التواصل شبه اليومي، وخلالها كان معتز يزوده بمعلومات ظنها عادية وغير ذات أهمية، اكتشف أنه كان يتحدث إلى مجند إسرائيلي، أصيب بصدمة وخوف شديدين، ولم يعرف كيف يتصرف، خاصة بعدما تلقى تهديدات بالقصف أو الاعتقال.
يقول معتز :" اكتشفت إنه ضابط إسرائيلي من خلال الأسئلة التي تحوم حول ملف الأسرى، كل سؤالين السؤال الثالث يكون عن الأسرى، يسألني بالك ايش بيأكلوا، بالك يكونوا في مكان أمن(..) وهكذا".
أخبر والدته بما جرى، وحاول الوصول إلى جهات الاختصاص، لكنه لم يتمكن من ذلك في ظل الظروف القائمة، عندها حذف جميع التطبيقات من هاتفه، ثم تمكن لاحقًا من النزوح إلى المنطقة الوسطى، واختفى عن الأنظار لبعض الوقت، مبتعدًا عن والدته حفاظًا على سلامتها، إلى أن هدأت الأوضاع، فأبلغ جهات الاختصاص بما تعرض له.
مصيدة "التضامن"
هنا تبدأ حكاية الشاب "أ" – اسم مستعار – من سكان مخيم المغازي وسط قطاع غزة. دُمّر منزله خلال الحرب، وفقد مصدر رزقه الوحيد بعدما تعرّض محل الهواتف المحمولة الذي يملكه للقصف والسرقة. ومع توالي الخسارات، بات ناقمًا على كل شيء في الحياة، وراودته أفكار بإنهاء حياته، حتى إنه حاول الوصول إلى أماكن القصف أملاً في الموت.
لكن استقر لفكرة أن ينصب خيمة على شاطئ بحر خان يونس، مبتعدا عن عائلته، تاركًا زوجته وأطفاله الصغار. مسيطرة عليه حالة من الاكتئاب أو ربما حالة انسحاب وهروب من الواقع، وأصبحت خيمته وهاتفه عالمه الوحيد.
بحثا عن المال، ضمن خطة نجاته ومحاولة خروجه من حالته، أنشأ رابطًا لجمع التبرعات عبر منصة "GoFundMe"، ليتعرف إلى أشخاص من مختلف أنحاء العالم أبدوا تعاطفهم مع قصته.
ثم بدأ ينفّس عن غضبه عبر مقاطع فيديو ينشرها على "تيك توك" و"إنستغرام"، يروي فيها ما آلت إليه الأوضاع في غزة. ومع مرور الوقت، كوّن صداقات جديدة مع أشخاص ظهروا له بصفة "متضامنين"، لكنهم، بحسب رواية عائلته، كانوا في الحقيقة مجندين يعملون لصالح الاحتلال، واستدرجوه للحصول على معلومات عن شبان من عائلته، من بينهم أحد المعتقلين وآخرون يعملون في صفوف المقاومة.
وحين أدرك الحقيقة، بعد أن كشف له ضابط مخابرات هويته، أصيب بصدمة كبيرة، ولم يعرف كيف يتصرف. تقول شقيقته إنه حاول قطع التواصل معهم، إلا أنهم هددوه وأجبروه على تسليم نفسه إلى إحدى الميليشيات، فاحتمى بها.
وتضيف شقيقته أنه يعيش اليوم حالة من الندم والانكسار، ويبكي باستمرار، متمنيًا العودة إلى حياته السابقة، لكنه يشعر بأنه محاصر وغير قادر على الخروج من الوضع الذي وجد نفسه فيه.
ووفق القانون الفلسطيني تصل عقوبة التخابر مع الاحتلال الإسرائيلي إلى الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، مع وجود نافذة قانونية وأمنية تسمح بالعفو الكامل أو مسامحة من يسلم نفسه طواعية.
تصل عقوبة التخابر مع الاحتلال الإسرائيلي في القانون الفلسطيني إلى الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة، مع وجود نافذة قانونية وأمنية تسمح بالعفو الكامل أو مسامحة من يسلم نفسه طواعية.
الإطار القانوني والجزائي للتخابر
في تعريج بسيط حول الإطار القانوني والجزائي للمتخابر، أولها عقوبة الإعدام، وهي تُطبق وفقاً لقانون العقوبات الثوري لعام 1979 (المادتين 131 و140) بحق من ثبت تخابره مع العدو أو تزويده بمعلومات أدت إلى إزهاق الأرواح واستهداف المواطنين والمقاومة.
أما عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة، تُفرض في حالات تقديم الدعم اللوجستي أو المعلومات للاحتلال دون أن يتسبب ذلك مباشرة في وقوع ضحايا، وفق قانون العقوبات رقم 16 لسنة 1960 والأمر رقم 555 لسنة 1957.
وعن الأشغال الشاقة المؤقتة، كعقوبة ثالثة للمتخابر، تتراوح بين 7 إلى 15 عاماً وتُقَر في حالات التخابر التي لم ينشأ عنها ضرر مباشر أو تراجع عنها المتهم.
في الجهة المقابلة للعقوبات، هناك أيضا باب العفو، فمن بين الخطوات والإجراءات التي تتخذها الأجهزة الأمنية في التعامل مع ملف التخابر، أنها تفتح الباب لمسامحة وإعفاء أي متورط يُسلم نفسه طواعية وقبل أن يتم كشفه أو اعتقاله، كما تُسقط التهم والملاحقة الأمنية تماماً عن الشخص الذي يبادر بالإبلاغ عن نفسه ويقطع تواصله مع مخابرات الاحتلال، وللتنويه يتم التعامل مع ملفات الأشخاص الذين يسلمون أنفسهم بسرية مطلقة لضمان حمايتها وعودتهم الآمنة والمستقرة إلى حضن المجتمع.
:لإطعام أطفالي
تكاد هذه الحكاية الأقسى التي سمعتها خلال إعدادي هذا التقرير الميداني، وهي قصة أرملة في بداية الثلاثينات من عمرها، أم لأربعة أطفال، قتل زوجها في بداية الحرب، كان يعمل زوجها في إحدى المؤسسات الدولية بعقد يومي، كذلك هي أيضا لديها خبرة في العمل بالمؤسسات الإغاثية، قبل انجابها لطفلها الرابع قبل الحرب بشهرين، كانت تعمل في إحدى المؤسسات الدولية بنظام العقد السنوي.
في الشهور الأولى من الإبادة، وجدت نفسها، أرملة، منقطعة عن العمل، ولوحدها بصحبة أطفال أربعة ، صغيرهم رضيع في حضنها، في خيمة مهترئة بعد ما دمر المنزل.
من خلال رجل أمن المقاومة الذي نقل هذه القصة، سعت السيدة إلى البحث عن العمل، وخاصة في المؤسسة التي كانت تعمل معها، لكن للأسف لم تجد فرصة، علما أن المؤسسة تعمل بأقل قدرة تشغيلية لها.
لم تكترث السيدة لشيء، فكانت جريئة لدرجة أنها كتبت قصتها عبر صفحتها الشخصية مناشدة أصدقائها ومعارفها بإيجاد فرصة عمل لها، لتنجو بأطفالها الأربعة على الأقل، فيما أرفقت المنشور ببيانتها الخاصة، من بريد إلكتروني ورقم هاتفها.
بالمحصلة، ضابط إسرائيلي، تواصل معها عبر البريد الإلكتروني، متنكرا بمسوؤل ملف دعم نفسي لأحد المؤسسات، أرفق لها ملف اختبار تقييمي سريع، من ثم ملف آخر يشرح خطة عمل المؤسسة وطبيعة عمل الوظيفة، وبعد أسبوع أرسل لها بريد يهنئها بحصولها على الوظيفة، فبدأت العمل بشكل طبيعي، كانت الوظيفة إدارية في مجال الدعم النفسي.
مرت الأيام، أصبح التواصل مع ذلك الضابط والسيدة بشكل يومي وعلى مدار الساعة، فجأة وبدون مقدمات أخبرها أنه ستنزل ميدانيا، ولكن ليس للعمل بل للذهاب إلى أحد المناطق وتشغيل كاميرا هاتفها طوال الجولة، وفي حال رفضها لهذه المهمة سيتم فصلها من الوظيفة، فوافقت دون ان تعرف أي تفاصيل أو تطرح أي سؤال.
في المهمة السادسة لها، تم الإلقاء القبض عليها من رجال الأمن وهي تصور في أحد الأماكن التي عرف لاحقا أنه كان فيها أسرى من الجنود الإسرائيليين؛ وخلال مراجعة الهاتف تبين أن المقاطع التي كانت تصورها السيدة كان يصل أقل مقطع لنصف ساعة، وأغلب المناطق التي تم تصويرها، أرتكب فيها مجازر وراح فيها عشرات الضحايا.
يقول رجل الأمن : "ملف السيدة من أعقد الملفات، لم يبقى للأطفال الأربعة وخاصة الرضيع سوى هذه الأم بعد رحيل الوالد وتدمير المنزل؛ ملف التخابر معقد جدا نحاول أن نراعي كافة الجهات والزواية، الضباط الإسرائيليون يتقنون استغلال الفرص جيدا".